النويري

196

نهاية الأرب في فنون الأدب

وإن اضطرّ أن يكتب بمثل ذلك إلى ملك غير مسلم لكنّه غير محارب ، فالحكم في ذلك أن يذكر من أسباب المودّة ما يقتضى المشاركة في المسارّ ، وأنّ أمر هذا العدد مع كثرته أخذ بأطراف الأنامل ، وآل أمره إلى ما آل ، ويعظَّم ذكر ما جرى عليه من القتل والأسر ، وتلك عوائد نصر اللَّه ، وانتقامه « 1 » ممّن عادانا ؛ فمن ذلك ما أنشأه المشار اليه لبعض ملوك البحر - ولم يكتب به - وهو : صدرت هذه المكاتبة مبشّرة له بما منحنا اللَّه من نصرة أجزل الصفاء منها سهمه ، وأكمل الوفاء من التهنئة بها قسمه ؛ وخصّه الوداد بأجلّ أجزائها ، وأجلسه الاتحاد على أسرّة مسرّتها إذا أجلس العناد غيره على بساط عزائها ؛ علما بأنه الصديق الذي تبهجه مسارّ صديقه ، والصاحب الذي يرى مساهمة صاحبه في بشرى الظَّفر بأعدائه أدنى حقوقه ؛ وذلك أنه قد علم ما كان من أمر هؤلاء التّتار في حركاتهم الذميمة ، وعزماتهم التي ما احتفلوا لها إلا وكان أحدّ سلاحهم فيها الهزيمة ، وغاراتهم التي ما حشدوا لها إلَّا وقنعوا فها بالإياب من الغنيمة ؛ وأنهم ما أقدموا علينا إلا وعدموا ، ولا سلكوا الينا إلَّا وهلكوا ؛ حتى إنّ الأرض إلى الآن لم تجفّ من دمائهم ، وإنّ الفرات يكاد يشفّ « 2 » للمتأمّل عن أشلائهم ؛ وأن الشيطان بعد ذلك جدّد طمعهم ، وسكَّن هلعهم ؛ وأنساهم مصارع إخوانهم ، وأسلاهم بما زيّن لهم من بلوغ أوطارهم عن أوطانهم ؛ وقال لهم : لا غالب لكم اليوم من الناس ، وتلك الوقائع التي أصبتم فيها قد لا يجرى الأمر فيها على القياس ؛ وحسّن لهم المحال وغرّهم وجرّأهم على قصد البلاد المحروسة ، وفى الحقيقة استجرّهم ؛ فحشدوا جموعهم

--> « 1 » في الأصل : « وانتقامنا » بالنون ؛ وهو تحريف . « 2 » في حسن التوسل : « يكشف » ؛ وكلا اللفظين يستقيم به المعنى .